شمس الدين السخاوي

57

الضوء اللامع لأهل القرن التاسع

وصنفت شرحا لنخبة شيخنا ومختصرا مستقلا في علوم الحديث كابن الصلاح وعمل شيئا على نمط الموضوعات لابن الجوزي وشيئا في تاريخ المدينة النبوية ولم يكمل واحدا منها وعمل لكل من المراغي والمجد اللغوي والجمال المرشدي مشيخة وكذا شرع في معجم للفاسي كتب منه عدة كراريس في المحمدين وعمل أربعين نصفها موافقات وباقيها أبدال لجماعة من الشيوخ وأربعين متباينة الأسانيد والمتون كلها موافقات لأصحاب الكتب الستة دالة على سعة مروياته وقوة حفظه ولكن مع عدم تقيد فيها بالسماع لم يبيضها وترجم شيوخ رحلته في مجلد أفاد فيها . ودخل اليمن غير مرة منها في سنة عشرين وولى بها الإسماع ببعض المدارس بزبيد ثم مال إلى استيطانه فانتقل إليه بتعاليقه وأجزائه وكتبه وظهر لفضلائها تميزه في الحديث وغيره فأقبلوا عليه ونوهوا بذكره ونعي خبره إلى الناصر صاحب اليمن فمال إليه وزاد في بره سيما وقد امتدحه بقصائد طنانة ، وتوجه مته في النصف الثاني من ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين فبرز من بعض المراسي القريبة من جدة حين عاقهم الريح في يوم حار وركب وسط النهار فرسا عريا وركضه كثيرا ليدرك الحج وكان بدنه ضعيفا فارداد بذلك ضعفا وأدرك أرض عرفة في آخر ليلة النحر فيما ذكر وما أتى مني إلا في آخر يوم النفر الأول لكونه مشى وعيي عن المشي بحيث وصل خبره لأهل منى فتوجه إليه من حمله ثم نفر منها إلى مكة ولم يزل عليلا وربما أفاق قليلا حتى مات بعد صلاة الصبح يوم الجمعة ثامن عشرى ذي الحجة منها بعد أن كتب وصيته بخطه في يوم الخميس ودفن بالمعلاة بعد صلاة الجمعة وعظم الأسف على فقده ، وقد عظمه الفاسي جدا وقال أنه برع في العلوم وتقدم كثيرا في الأدب وله فيه النظم الكثير المليح لغوصه على المعاني الحسنة وفي الحديث بحيث لم يكن له فيه نظير بالحجاز مع حسن الجمع والتأليف والإيراد لما يحاوله من النكت والأسئلة والإشكالات ووفور الذكاء وسرعة الكتابة وملاحتها ونشأته على العفاف والصيانة والخير والعناية الكثيرة بفنون العلم والحديث . وذكره شيخنا في إنبائه فقال : كان ذا مروءة وقناعة وصبر على الأذى وبذلك لكتبه وفوائده موصوفا بصدق اللهجة وقلة الكلام وعدم ما كان عند غيره من أقرانه من اللهو وغيره من صباه حتى مات ، وذكره في معجمه وقال أنه أكثر عن شيوخ العصر وكتب عني النخبة وشرحها وغير ذلك في سنة خمس عشرة فما بعدها وتمهر وتيقظ وكتب تراجم لشيوخه أتقنها ، ووصفه في موضع آخر بالشيخ الإمام العالم الفاضل البارع الرحال جمال الدين سليل السلف